
حكاية أشهر قاعة امتحانات في السودان
قاعة النجاح.. صرح ممرد من شغف ووجل وتمني..!
لقاعة الامتحانات سيرة طويلة من الذكريات غير المنتهية، فمثلما أن كل الطرق تؤدي إلى روما كما تفيد بذلك الأمثولة الشهيرة فإن أشهر شارع جامعي في السودان(المين رود) لا يؤدي فقط إلى أشهر مكتبة من نوعها في تاريخ البلد(مكتبة المين)لأنه ببساطة شديدة يقود أيضا وقبل كل شئ إلى (قاعة الامتحانات)أو (قاعة النجاح)كما سماها (أبوها وسيد اسمها)الخواجة البروفيسور (أليك بوتر) مؤسس قسم العمارة بجامعة الخرطوم في خمسينيات القرن الفائت.
في قاعة امتحانات جامعة الخرطوم قبسٌ من عتاقة ومهابة ورمزية تمتزج بالدواخل فيخرج الداخل إليها ولابد، وفي نفسه شيئ من حتّاها، إما بوعد أو تمني؛ والمؤكد دهشة عظيمة للمعمار الجبار؛ فهي ليست مجرد قاعة امتحانات لأنها تاريخ كتب بعَرَق من شغف، يحكي قصة مستحيل هزمه الممكن بالضربة القاضية، وحُقّ لها أن تسمى فيما بعد باسم الكتاب الذي ألّفه مهندسها البروف بوتر(كل شئ ممكن).. فما هي حكاية قاعة الامتحانات مع جامعة الخرطوم وماهي قصة الطلاب معها..؟!
(1)
لقاعة الامتحانات سيرة طويلة من الذكريات غير المنتهية، فهي- والكلام لغير زائريها- تقع في نهاية الجزء الشرقي لشارع(المين)، اكتمل بناؤها في بداية الستينيات من القرن الماضي على يد البروفيسور أليك بوتر وبمعاونة من زوجته التشكيلية(مارقريت)وقد وضعت الظروف آنذاك بوتر في موقف محرج وتحدي صعب، إذ صدر من الحكومة في ذلك الوقت قرار بمنع استيراد أدوات البناء من الخارج لأسباب مالية، وبعبقريته فقد قلب بوتر الطاولة على الواقع، قرر أن يستورد (المعنى أوالنسق المعماري)من الخارج ويترك مهمة(المبنى)لأدوات البناء المحلية، فكان الخيار في الخشب السوداني.
يروي بوتر في كتابه(كل شئ ممكن)حكاية بناء القاعة منذ أن كانت فكرة، سافر لها خصيصا إلى تركيا حيث العمارة الإسلامية في تجلياتها الحديثة ورجع إلى بريطانيا ثم عاد للسودان وقد نضجت الفكرة في البال، قاعة مصممة على شكل قشرة البيض بواسطة ما يسمى (الخشب المصفح) الذي يتكون من طبقات رقيقة مضغوطة، وهي تقنية أوحى له بها صديقه (ايزرا) الذي كان يسميها صناعة الخشب كقشرة البيض في الرقة والمتانة بسبب تقويسة في بُعدين اثنين وليس بُعداً واحداً فحسب، وبفضل هذه الفكرة استطاع بوتر الاستعانة بأخشاب الجنوب لصنع سقف من دون أي أعمدة.
(2)
لقاعة الامتحانات سيرة طويلة من الذكريات غير المنتهية، وقد بدأت فكرة القاعة تنمو وتترعرع أمام ناظري البروف بوتر، ويقول معاصرو تلك الفترة أن بوتر أثناء بنائه للقاعة "اتصل بالمهندس حسن عتباني كبير المعماريين بوزارة الأشغال حينها للاستعانة بمشورته، وقد أخبره الأخير أنهم في منتهى الشجاعة لمحاولتهم إقامة مشروع لا يمكن لأحد بكامل قواه العقلية أن يفكر فيه واعتبر البروفيسور تلك إشادة وإطراء".
وحول التحكم في حرارة القاعة قيل أن البروف بوتر "قام بعمل معادلة مبسطة على أساس أن الحرارة الصادرة من عدد ( 500 ) طالب تعادل ( 125 ) TWO KILDWATT FIRE دون أن يضع الاعتبار للحرارة التي تجلبها حمى الامتحانات، وكان رأي لجنة المباني من بعد اجتماع طويل أن المبنى لن يصمد طويلاً ، وسيتداعى السقف من التغيرات في درجة الحرارة" ولكن نجح (المبنى) على الصمود حتى الآن وإن كان(المعنى) يتجدد في صموده وانهياره مرة بعد أخرى كلما كرّ عليه الزمن كرة أخرى، فالقاعة (قشرة البيض)التي تحمل في جوفها ثلاث قاعات لم يعد يعي تاريخها الكثيرون مع كثرة الطلاب الذين يتوافدون عليها ورغم ذلك فما زالت تودع سحرها القديم في النفوس، فهي تجبرك على التحديق في أفقها المتسع، وحين يبلغ بك الخوف من الامتحان مبلغه تستنجد بالآيات القرآنية التي تطلي جدرانها من الداخل خاصة تلك الآية:(وما توفيقي إلا بالله)، ويا لفرحك الغامر حين تزقزق لك العصافير المختبئة فيها حين يعصرك الندم على معلومة جاءت في الامتحان وودت لو أنك حفظتها عن ظهر قلب.
(3)
لقاعة الامتحانات سيرة طويلة من الذكريات غير المنتهية، ففي قصة إنشائها فقط كتب مهندسوها المذكرات والكتب فكيف بحكايات طلابها فيما بعد..؟! قاعة خصصت لامتحانات الطلاب، كل طالب يجلس منفرداً بحيث يسهل مراقبته وتتسع لثلاث قاعات متفرقة ، قاعة مصممة لإقامة مهرجانات مسرحية وغنائية وموسيقية وقاعة لندوات ومحاضرات متعددة الأغراض، وسيرة الأغراض المتعددة تقذف بالقاعة المهيبة في أتون العمل السياسي والاجتماعي فتجعل القاعة(شاهد عيان)على الكثير من الأحداث الطلابية الشهيرة التي وقعت، إما فيها كأحداث(رقصة العجكو) أو وقعت بقربها بسب الاستضافات الكريمة التي كان يقدمها السيد(شارع المين)للطلاب السياسيين بالذات وحتى حين تهدأ نيران السياسة فإن أوار علاقات الصداقة والحب لا يهدأ، فكم من قصة وُد نسجت بين شقوق جدرانها الطوبية خاصة في هذه الأوقات بعدما بدأت تحلو المنطقة للطلاب الأغنياء بالذات ليجعلوا من قرب القاعة ملاذا آمنا لتزجية الوقت، مضايقين بذلك أولو الشأن السياسي من الطلاب.
(4)
لقاعة الامتحانات سيرة طويلة من الذكريات غير المنتهية، لا يكاد ينساها خريجو جامعة الخرطوم لن تفلح خيوط سطور في رتق جزء يسير من ذاكرة انثقبت بمحتوياتها، وهذه دعوة منا لخريجي الجميلة ومستحيلة بأن يرفدوا القراء بحكاياتهم التي تستحق التوثيق عن أشهر قاعة امتحانات في السودان.